الشفاء بالقرآن والرقية - طب الروح والجسد

بسم الله الرحمن الرحيم

الشفاء بالقرآن والرقية

قال تعالى: " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " 43 النحل. وقال تعالى: " وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ " 43 العنكبوت. فالإنسان خلق من مادتين وهي مادة الروح ومادة الجسد أما الروح فهي لا ترى كالهواء لا يرى ولا نستغني عنه ونحتاجه للحياة في التنفس وبانقطاعه تنقطع الحياة وتنعدم وكالكهرباء بها تشتغل الأجهزة الكهربائية ولا تعمل بدونها وهي كذلك لا تُرى وهكذا الروح. وقد قصر علم الإنسان عن إدراكها ما هي ولا أين وجودها كما قال تعالى: " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً " 85 الإسراء. وأما الجسد فنعلمه فهو من لحم ودم وعظام وعروق وأعصاب وشرايين وغير ذلك. فالروح سماوية تُعالَج بالقرآن وبالرقية لقوله تعالى: " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا " 82 الإسراء. وأما الجسد فهو أرضي لأن الإنسان خلق من طين فهو يعالج بالأدوية الطبية المختلفة وبالأعشاب وبالأطعمة المغذية والمفيدة للجسم والتي تستخرج من الأرض. ولهذا ينقسم الطب والعلاج إلى قسمين وهما الطب البشري يعالج الجسد وأمراضه المختلفة في المستشفيات والعيادات الخاصة. وطب آخر بعيد عنه روحاني يعالج الروح وما يعتريها من علل وأمراض مختلفة كالحسد والسحر والمس الشيطاني وهو ما يعرف بالأمراض النفسية وعلاجه بالروحانيات والقرآن والرقية وغيرها من العلاجات. والقرآن هو البلسم الشافي الرئيسي في العلاجات المختلفة وهو قد جمع الشفاءين للروح والجسد فالروح علاجها بالقرآن والرقية والجسد علاجه بالعسل وهو شفاء القرآن أيضاً وهذا يدل على عظمة القرآن وعلى كلام الله تعالى ولهذا قال تعالـى: " لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " 21 الحشر. وقال تعالى: " وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا " 31 الرعد. وقال تعالى: " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا " 81 الإسراء. وقال تعالى: " وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً " 54 الكهف. وعليه فمن ذهب للعلاج بالطب البشري أو إلى الطب الروحاني فبأيهما بدأ فلا بأس حيث أنهما من نعم الله تعالى الكثيرة كما قال تعالـى: " وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ". فالمهم هو الشفاء للمريض وليس للأولوية إلى أيهما لأن الله تعالى بالغ أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والناس مخيرون في اعتماد من يشاءون وذلك بالتجربة وكما قيل التجربة أكبر برهان وكل له مجاله وتجربته في العلاج ، وفي الطبين رجال أشاوس ومشهود لهم من الناس بالعلاج الناجع والشهرة الأكيدة. وأما وقد سئلت عن اعتراضات توجه للطب الشعبي أو الروحاني كأخطاء يرتكبونها فالخطأ وارد من الاثنين فلو قيل هؤلاء مشعوذون فليس كلهم سواء ويقال أيضاً كذلك يخطئ الآخرون وقد نسي بعضهم مقصه في بطن المريض أو قد زود البنج للمريض مما أدى إلى هلاكه أو أعطى دواءً خطأً فقتل المريض أيضاً والدليل على عدم قدرة بعضهم على شفاء مرضاهم هو ذهاب المرضى للدول الأوروبية أو الدول العربية المجاورة أو لعدم التخصص فلا أحد يُشَهِّر بالآخر لأنه لا يؤخذ أحدهم بجريرة الآخر. كما أن الذهاب للروحانيين للعلاج فلا بأس ولا مانع من الذهاب للعلاج عندهم للأسباب التالية:

أولها للضرورة والقاعدة الفقهية تقول: (الضرورات تبيح المحظورات) ، ثانيها أمره صلى الله عليه وسلم بالتداوي والاستعانة حتى بالكافر وكما نرى يذهب الأغنياء والرؤساء وبعض القادرين على العلاج للدول الأوروبية والأجنبية حتى إلى أمريكا وكما عندنا إلى إسرائيل مع ملاحظة أن أطباءً كثيرين مسيحيين يعملون في مستشفيات الدول العربية والإسلامية الأخرى ويعالجون المسلمين. ثالثاً: التداوي يأتي حكمه تحت قاعدة فقهية أخرى وهي المصالح المرسلة وذلك بتقديم مصالح الناس في المسألة لتحقيق الفائدة للمسلمين حيث أنه بالذهاب إلى الطب الروحاني ربما يبرأ المريض ويشفى فيكون أفضل للمريض من تركه بلا علاج يقاسي شر المرض وألمه وقسوته. أما من يدعي بأن هؤلاء الروحانيين يستعينون بالجن والشياطين أقول لهم نعم فحتى الاستعانة بكافر لا شيء فيها لأنه صلى الله عليه وسلم استعان في الهجرة من مكة للمدينة بمشرك وهو عبد الله بن أرقط وكذلك استعان نبي الله ورسوله سيدنا سليمان بن داود بالجن والشياطين وهو ما أكده القرآن الكريم كما قال تعالى: " وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ " 17 النمل. وقال تعالى: " وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ " 12 سبأ. وقال تعالى: " وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ " 82 الأنبياء. والمعالج بالروحاني ليس ساحراً بل هو كالطبيب يعالج من مرض السحر أو المس الشيطاني أو الحسد أو خلافه فهو كما يداوي الطبيب مرض السرطان وكالشرطي الذي يمنع اللصوص من السرقة فهو ليس بسارق بل حامٍ وحارسٌ ومانعٌ للسرقات وهكذا المعالج بالروحاني فالعلاج مطلوب للمريض كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءه الأعراب فقالوا يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: (نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له شفاء غير داء واحد). قالوا: ما هو؟ قال: (الهرم). وفي لفظ: (إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاء عَلِمَه مَن عَلِمَه وجَهِلَه مَن جَهِلَه). [زاد الميعاد ج3 ص66]. وفي المسند والسنن عن أبي خزامة قال قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: (هي من قدر الله). [زاد الميعاد ج3 ص66]. وهنا نذكر قصة قميص يوسف عليه السلام ورد بصر سيدنا يعقوب عليه السلام نبي الله ورسوله بعدما ابيضت عيناه من الحزن. وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا مرض أحدهم يستشفون بثوب النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته فيذهبوا إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ويطلبوا الشفاء من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فتغسله لهم ويستحموا بمائه فيشفوا بإذن الله تعالى وكذلك قد رد الرسول صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة عين قتادة عندما أصابها سهم في معركة بدر فردها من على خده وأرجعها في مكانها فأصبحت أقوى من الأولى ، وحرصاً على الفائدة نذكر قصة أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مختصرة وهي أن أبا سعيد الخدري كان في سفر في بعض أصحابه وقد مرّوا في الليل على حي من أحياء العرب وطلبوا المبيت عندهم ولكن أهل الحي رفضوا استضافتهم وفي الليل لُدغ رئيس الحي وفي رواية جُنّ فأتوهم وقالوا هل عندكم من راق؟ قال أبو سعيد الخدري أنا راق ولكن لأنكم رفضتم استضافتنا لا نرقي لكم إلا على جعل من الغنم وقدره (ثلاثين شاة) فرقاه أبو سعيد فشُفي ولما رجعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بالقصة وعن جعل الغنم فسأله صلى الله عليه وسلم بما رقيته فقال أبو سعيد بالفاتحة فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (وما يدريك بأنها رقية اضربوا لي معكم بسهم). أي حللها لهم ولم يستكثر الأجرة على الرقية حيث كانت (ثلاثين شاة) وبعض الناس يظن أن كتاب الله لا يباع ولا يشترى فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله). [أخرجه البخاري أدلة الأحكام ص67]. وختاماً وكما نذهب للنجار وللحداد وللبناء والمدرس والحلاق والمهندس وغيرهم في جميع احتياجاتنا كذلك نذهب للعلاج عند الكافر والمسلم كما جاء في الحديث السابق: (يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له شفاء).

أبو أحمد العبادلة

2/11/2008م

4/ذو القعدة/1429هـ

 

 



2011 © تصميم: م. محمود شكيب العبادلة

Last update: Thursday, July 07, 2011